محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

842

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

حلاله بعقولهم العاطلة وآرائهم الفائلة . فاختلفوا الاختلاف الأوّل في كونه خالقا على خلاف ما أشعرت به الفطرة في كونه أمرا . ثمّ اختلفوا الاختلاف الثاني عنادا منهم ومكابرة للعقل على خلاف ما ورد في الكتب المنزلة بغيا بينهم ومكابرة للسمع . فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لا يعاندون الفطرة فيكابرون العقل ، ولا يحاسدون النبوّة فيكابرون السمع وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، وفيه دليل ظاهر على أنّ العالم ليس يخلو من الذين هداهم اللّه إلى صراط مستقيم ، وهم الحاكمون على المختلفين ، الفاصلون بين المتخاصمين ؛ والحاكم المطلق لا منازع له حتّى يحتاج إلى حاكم آخر ؛ فلا يذهب الأمر إلى التسلسل . ومن الإشكالات قوله : فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وكما اختلفوا في الأحكام كذلك اختلفوا في الكتاب الذي يحكم بين الناس أهو حقّ منزل من اللّه بالحقّ ؟ وكذلك اختلفوا في محكماته ومتشابهاته وسائر وجوه آياته أتجري على ظواهرها أم يطلب تأويلها ؟ فإن كان الحكم هو الكتاب فهو مختلف فيه يحتاج إلى حكم آخر ؛ فكذلك هو مشكوك فيه يحتاج إلى رجل آخر . قيل : إذا أقرّ الخصم بما تقول فقد ارتفع الخلاف ؛ وإذا قيل : كلّ مختلف فيه فيحتاج إلى حاكم ، وكلّ حاكم فمختلف فيه ، فذلك دور يحتاج إلى قاطع للدور ؛ فلا بدّ إذا من حاكم لا يختلف فيه حتّى ينقطع الدور ، والنبيّ حاكم لا يختلف فيه ، ونائب النبيّ حاكم لا يختلف فيه . فمن أنكره فقد أقرّ به ؛ ومعنى قولنا لا يختلف فيه أنّ كلّ خصمين إذا اتّفقا على الاحتياج إلى حاكم ولم يكن في العالم من يدّعي الحاكمية إلّا واحد فلم يكن فيه خلاف ، وهو معنى قولنا : إنّ الحاكم المطلق لا خصم له ؛ فلا منازع له ؛ فلا منكر له . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 214 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) النظم لمّا ذكر أنّ الناس كانوا أمّة واحدة ثمّ بعث اللّه النبيّين مبشّرين ومنذرين امتحانا وابتلاء